نظرية النمو الأخلاقي لكولبرج

 لورنس كولبرج: نظرية النمو الأخلاقي


  تمتد جذور نظرية كولبرج، في النمو الأخلاقي تاريخيا لتصل إلى النظريات التي وضعها كل من بولدين ، Baldwin عام 1906 ، وجورج هربر تميد ، Mead عام 1934 بينما أساسها النظري مستمد على نحو مباشر من نظرية جان بياجيه ، Piaget للنمو المعرفي عام 1932، حيث أن النمو المعرفي عند بياجيه ، يتمثل في عمليات متتالية بنفس التعاقب الثابت من المراحل، وأن إتمام كل مرحلة يعتمد على المراحل السابقة لها ، ويعتقد و بياجيه، أن التفكير ينمو لدى الفرد في عمليات تحويلية لبنى Structures المعرفة استجابة لضغوط داخلية وخارجية. وحيث أن نمو التفكير الأخلاقي يفترض فيه أنه يعكس النمو المعرفي ، فإن ترتيب مراحل النمو الأخلاقي يمكن فهمه وتفسيره (عن طريق فهم مراحل النمو المعرفي).

  تمر عملية نمو التفكير الأخلاقي Moral reasoning عند کولبرج ، كما هي الحال عند بياجيه بمراحل متسلسلة ثابتة ومتعاقبة ، إلا أن و كولبرج ، حدد ست مراحل مختلفة تتسم كل واحدة منها بنوع مميز من التفكير الأخلاقي، وتصبح أكثر تقدما أو نضجا مع استمرار النمو بطريقة تدريجية خلال هذه المراحل ، ويستمر الفرد ـ على المستوى المثالي - Ideally في النمو حتى يصبح قادر على التفكير وإصدار الأحكام في أعلى مستوى ، أي في المرحلة السادسة.
  ویری کولبرج ، أن هناك توازن بين مرحلة التفكير المنطقي عند الفرد والمرحلة الأخلاقية . فالفرد الذي يصل بمرحلته وفي التفكير المنطقي إلى مستوى العمليات المحسوسة فقط Concrete Operational يتوقف عنـد المستـوى الأخـلاقي ما قبـل التقليـدي Preconventional ، بينما الفرد الذي تبلغ مرحلته في التفكير المنطقي مستوى العمليات الشكلية أو الصورية الدنيا Low Formal Opetational لا يتعدى المستوى الأخلاقي التقليدي Conventional ورغم أن نمو التفكير المنطقي شرط ضروري للنمو الأخلاقي، إلا أنه ليس كافيا في حد ذاته.، (Kohlberg, 1976, p .32 )

  واعتبر كل من ( كولبرج ) و بياجيه ، أن كل مرحلة تختلف نوعيا رحلة التي تسبقها ، ذلك ، إن كل مرحلة تعتبر تفاضلا وتكاملا لمجموعة من المحتويات الوظيفية Functional التي تشتمل عليها المرحلة السابقة.

  ويختلف كل من نظامي بياجيه و كولبرج ، في نقاط محددة ، وتكمن الاختلافات الأولية في عدد مراحل التفكير الأخلاقي والنقطة التي ينتهى عندها النمو، فنجد أن نظام كولبرج، أكثر تمايزا لأنه يقوم على ستة مراحل متميزة بدلا من مرحلتين عامتين ، ولكي ندرك ما نعنيه بالمراحل لا بد أولا من إيضاح المستويات الأخلاقية الثلاثة الآتية ، والتي ينقسم كل منها إلى مرحلتين :

مراحل النمو الأخلاقي عند كولبرج

1- المستوى ما قبل التقليدي :
يتجاوب الطفل عند بلوغه هذا المستوى مع القواعد الثقافية، ويميز ما كان منها للخير أو الشر، والصحيح أو الخطأ، ولكنه يفسر هذه التصنيفات إما بناء على النتائج المادية أو المتعة التي يؤدى إليها الفعل في إطار عقاب، ومكافأة، وتبادل منافع، أو قد يفسرها بناء على القوة الجسمانية لأولئك الذين يصدرون هذه القواعد والتصنيفات، فالطفل لا يحترم القوانين المفروضة من مصادر السلطة، لكنه يتبعها تحسبا لم ترتبط به من عقاب أو أذى حسي، وينقسم هذا المستوى إلى المرحلتين الآتيتين :

  • المرحلة الأولى : مرحلة التوجه نحو العقاب والطاعة
تحدد النتائج أو العواقب العضوية كون الفعل خيرا او شرا بغض النظر عن المعنى الإنساني المتضمن فيها أو في قيمتها، ويعتبر تجنب العقاب وعدم مخالفة السلطة قيمة في حد ذاتها وليس على أساس احترام أي أمر أخلاقي ضمني تسانده عقوبة أو سلطة.
  • المرحلة الثانية: مرحلة التوجه الوسيلي الاجرائي
الفعل الصحيح هو ما يؤدي (عن طريق اتخاذ الوسائل والأسباب) إلى إشباع حاجات الفرد
الشخصية ، وقد يشبع أحيانا حاجات الآخرين ، وبذلك تعامل العلاقات الإنسانية في ضوء القواعد المعمول بها في السوق التجاري : حيث تتوافر مبادىء الأمانة وتبادل المنفعة والمشاركة ، ولكنها تخضع دائما المقتضيات المادية الواقعية ، ذلك أن التبادلية (تبادل المنفعة) تعمل في إطار مبدأ " أفدني أفدكَ"

وبذلك فالقضية هنا ليس ولاء، أو عرفانا بالجميل، أو تلمس وتحرى العدالة ، بل قضية مصلحة شخصية .
2- المستوى الثاني: المستوى التقليدي:
وفي هذا المستوى ينظر إلى توقعات وآمال عائلة الفرد أو جماعته أوأمته باعتبارها ذات قيمة في حد ذاتها تتطلب الحفاظ عليها والتمسك بها، بغض النظر عن النتائج المنظورة أو المباشرة، والموقف هنا ليس موقف امتثال ومسايرة للتوقعات الشخصية واذعان للنظام الاجتماعي فقط ، بل موقف يتطلب الولاء والعمل للحفاظ على النظام وتأييده وتبريره وارتباط كامل مع من يشاركونه فيه، وينقسم هذا المستوى إلى المراحل الآتية:
  • المرحلة الثالثة: مرحلة التوجه من خلال الانسجام مع الآخرين أو مرحلة ما يسمى بالولد الطيب والبنت اللطيفة
فالسلوك السليم هو الذي يسعد أو يساعد الآخرين ويحظى باستحسانهم، ويوجد هنا تعاظم في درجة الامتثال للصور النمطية مثلا يعتبر سلوك الاغلبية أو السلوك والطبيعي المألوف ،ويتم الحكم على السلوك باستمرار النية فعند قولنا مثال وانه يعني خيرا، يكون هذا الحكم له أهميته وأولويته على ما عداه من آراء وبذلك يحظى الشخص بالتأييد لا لشيء ألا لكونه لطيفا .
  • المرحلة الرابعة: مرحلة التوجه إلى القانون والنظام:
في هذه المرحلة عادة ما يكون التوجه نحو السلطة والقواعد الثابتة الراسخة والحفاظ على
النظام الاجتماعي، وعليه فإن السلوك السليم هنا يتمثل في أداء الفرد لواجبه و إظهار الاحترام للسلطة ومراعاة النظام الاجتماعي والحفاظ عليه لذاته.

3- المستوى الثالث: المستوى ما بعد التقليدي أو الاستقلالي أو مستوى المبادئ :

يتضمن هذا المستوى جهدا واضحا لتحديد القيم الاخلاقية والمبادئ الشرعية التي يمكن تطبيقها عمليا بغض النظر عن سلطة الجماعات والأفراد المتمسكين بهذه المبادئ ، وبصرف النظر عن اندماج الأفراد وارتباطهم بهذه الجماعات ،ويتكون هذا المستوى من مرحلتين هما :

  • المرحلة الخامسة: مرحلة التوجه إلى شرعية العقد الاجتماعي:
بالإضافة إلى ما تتضمنه الأفعال الصحيحة من نفعية ، فإنه يمكن تحديدها على أساس الحقوق الشخصية العامة ، وبناء على المستويات القياسية التي بح ها المجتمع كله وتفحصها ثم وافق عليها ، وثمة وعي كامل بنسبية القيم والآراء الشخصية، كما أن هناك تأكيدا مماثلا على القواعد الإجرائية التي يجب مراعاتها بغية التوصل إلى اتفاق بالإجماع ،وبغض النظر عن الشيء المتفق عليه دستوريا أو ديمقراطيا ، فإن الحق  (الرأي السليم) أمر يتوقف على (القيم) و(الآراء) الشخصية والتأكيد على " وجهة النظر المشروعة"، وذلك مع ضمان امكانية تغيير القانون في ضوء ما يستجد من اعتبارات رشيدة يدعو إليها
صالح المجتمع.
  • المرحلة السادسة : مرحلة التوجه إلى المبدأ الأخلاقي العام
يتم تعريف الحق على أنه قرار نابع من الضمير في ضوء المبادئ الأخلاقية المختارة ذاتيا  والتي تحتكم إلى الشمولية المنطقية والعمومية والاتساق ، وهذه المبادئ ذات طبيعة مجردة و أخلاقية (لقاعدة الذهبية ، الأمر القطعي ) ، وهي ليست قواعد أخلاقية محسوسة مثل الوصايا العشر، بل هي في صميمها مبادئ عامة في العدل والتبادلية والمساواة في حقوق الانسان ، واحترام كرامته واحترامه كإنسان له فرديته. (توريل ،ص 733 ، 734 ) Turiel عام 1973

ويتضمن المقياس عدة مواقف ـ مشكلات أخلاقية افتراضية على المفحوص ويطلب منه الإدلاء برأيه فيها تتضمنه هذه المشكلات من قضايا أخلاقية متنوعة، ويحاول الباحث استنباط الفكر الذي أدى إلى رأى المفحوص. وما يهتم به كولبرج بالدرجة الأولى هو الطريقة التي يبرر بها الفرد حال معينا وليس الحل في حد ذاته . وكمثال للمواقف التي يذكرها و كولبرج المثال التالي :

" كانت امرأة تقترب من حافة الموت نتيجة إصابتها بنوع معين من السرطان وقد اعتقد الأطباء أن هناك دواء واحد ربما ينقذ حياتها، وهذا الدواء نوع من الراديوم كلف اكتشافه الكثير من المال والجهد من صيدلي في المدينة، وهو ما جعل هذا الأخير يبيعه بعشرة أضعاف تكلفته ، فقد كان إ عداد جرعة صغيرة من الدواء يكلف الصيدلي حوالي (200 ) دولار بينما كان يبيعها بمبلغ (2000 ) دولار. ذهب زوج هذه السيدة ويدعى هاینز Heinz إلى جميع معارفه كي يجمع ثمن الدواء، لكنه لم يستطع أن يجمع سوى (1000 ) دولار أي نصف المبلغ المطلوب. بعد ذلك قرر الذهاب إلى الصيدلي ليخبره أن زوجته في فراش الموت وتحتاج إلى الدواء، وطلب منه إما أن يبيع له الدواء بثمن أقل أو أن يسمح له بدفع باقي المبلغ بالتقسيط. لكن جواب الصيدلي خيب آمال هاينز عندما قال له : لقد اكتشفت الدواء وسوف أحقق منه ثروة كبيرة، مما جعل هاينز يفكر في اقتحام الصيدلة وسرقة الدواء لإنقاذ زوجته من الموت.
لكن هل من حق الزوج القيام بمثل هذا العمل؟

أهم أوجه الائتلاف بين بياجيه وكولبرج

- يؤكد كولبرج وبياجيه على أهمية الأبنية المعرفية كأساس للتفكير الأخلاقي.
- استخدم كولبرج المستويين الذين استخدمهما بياجيه في وصفه للنمو الأخلاقي؛
-استخدم كولبرج وبياجيه النظام التتابعي لمراحل النمو الأخلاقي على أساس أن كل مرحلة تلي سابقتها وتنسلخ منها؛
- اعتبر كل منهما أن المفهوم الأساس ي للنمو الأخلاقي هو العدل ؛
- اعتبر كل منهما أن الطريقة الإكلينيكية هي أنسب الطرق لتقييم النمو الأخلاقي، ومن ثم استخدم كل منهما قصصا افتراضية للتعرف على مستوى التفكير الأخلاقي لدى الأفراد عن طريق ردودهم على الأسئلة المتعلقة بتلك القصص؛
- يتفق كل من بياجيه وكو لبرج أن كل الأفراد بغض النظر عن الحضارة التي ينتمون إليها أو الثقافة التي يعيشون فيها يمرون بنفس المراحل من التفكير الأخالقي، وأن هذا المرور يتم في اتجاه واحد وبنفس الترتيب، أي عالمية النمو الأخلاقي؛
- يرى كل منهما أن هناك أسسا معرفية لإصدار الأحكام الأخلاقية وأن هناك علاقة ارتباطية موجبة بينهما.
- يتفق كلاهما أن النمو الأخلاقي لا يتأتى عن طريق التلقين، وإنما عن طريق التفاعل بين الأقران والبيئة

أهم أوجه الاختلاف بين بياجيه وكولبرج في النمو الأخلاقي

رغم وجود نقط الائتلاف بين بياجيه وكولبرج، فإن هذا لا يمنع من وجود بعض جوانب الاختلاف بينهما ومن أهمها:
- اهتمام كولبرج أكثر بالنمو المعرفي في تحقيق النمو الأخلاقي؛
- اختلفا في ذروة النمو الأخلاقي حيث حدد كولبرج سن (25) سنة كحد أعلى، أما بياجيه فقد حدد سن (18)سنة كحد أعلى.
-
بياجيه يرى أن الغرض من التفاعل بين الأنداد زيادة الشعور بالمشاركة الوجدانية عند الأطفال، أما كولبرج فاعتبره أمرا للتخلص من التمركز حول الذات.

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -