التعلم في منظور السوسيوبنائية

نظريات التعلم: السيوبنائية


لقد ظهرت المدرسة البنائية الاجتماعية/السوسيوبنائية (l'approche  sociocognitive)  كرد فعل على المدرسة البنائية لجان بياجيه، على أساس أن هناك تفاعلا بين البنية والمجتمع. وقد تشكلت هذه المدرسة مع الروسي فيكوتسكي(Vygotski) وبرونور (Bruner)، ودواز وبيري كليرمون( Doise ،  Perret-Clermont) ، وغابرييل مونيي  ( Gabriel Mugny ) .

وترى هذه المدرسة أن التعلم لا تتحكم فيه المؤثرات البيولوجية والوراثية فقط، بل يخضع أيضا لعوامل ثقافية، وتاريخية، ومجتمعية. بمعنى إذا كان جان بياجيه يعطي أهمية كبرى لما هو وراثي وعقلي وذكائي في مجال التعلم، فإن فيكوتسكي يقر بأهمية المجتمع والوسط في بناء تعلمات المتعلم وتعزيزها وتطويرها. أي: يقر بأهمية التفاعل الموجود بين الذات والمجتمع، أو بأهمية التفاعل بين التلميذ والمدرس، وبأهمية التفاعل بين التلميذ والمجتمع. ومن هنا، أهمية الانصهار والاندماج في المجتمع ، أو الانتماء إلى فريق تربوي ما، أو التوحد مع الآخرين في جماعة ديناميكية معينة. ويعني هذا أن السيكولوجيا الإنسانية نتاج لما هو مجتمعي في شكل رموز تفاعلية. وبتعبير اخر، يتحقق التفاعل بين الذات المتعلمة والمجتمع بواسطة مجموعة من الرموز المتفقة عليها من أجل تحقيق تفاعل إيجابي بناء وهادف. ومن ثم، يقر فيكوتسكي أن الوظائف السيكولوجية العليا للإنسان لا يمكن فصلها عن الوظائف الاجتماعية في أبعادها التفاعلية والرمزية.

وأكثر من هذا يرى فيكوتسكي أن التطور الثقافي لدى الطفل ليس راجعا إلى المكونات البيولوجية والجينية والوراثية والفطرية والعقلية والفردية فحسب، بل يرجع ذلك إلى اندماج الطفل في جماعات بشرية ما. وبهذا، يكون التعلم مجتمعيا وليس فرديا. وتسعفنا هذه النظرية كثيرا في فهم تطور التعلم والاكتساب لدى الطفل في مساره النمائي، والارتقائي، والذكاء، والمعرفي.

وتتمثل نظرية فيكوتسكي في أن التعلم هو بمثابة صيرورة استيعاب لمختلف الأنظمة الثقافية ووسائلها. أي: إن التعلم فعل ثقافي ومجتمعي بامتياز. وبالتالي، لا يمكن للتعلم أن يتعلم بالاعتماد على قدراته الوراثية والعقلية فقط، بل لا بد من الاندماج في مجتمع من أجل اكتساب أنماطه الثقافية. ويعني هذا أن المتعلم لا يمكن له الاستغناء عن المدرس من جهة، ولا عن جماعة الأصدقاء والرفقاء من جهة أخرى.

ومن هنا، يتكون الذكاء لدى الطفل عبر آليات سيكولوجية يمتحها الطفل من محيطه ، مثل: اللغة التي يستعملها الطفل، وهي ذات طابع مجتمعي، ويوظفها للتعبير عن منتجه الفكري والعقلي. ومن ثم، ينفي الباحث ما يسمى بالتمركز اللغوي، أو تمركز الطفل على الذات، فهذا كله نتاج المجتمع، مادام الطفل يستعمل اللغة التي وجدها في المجتمع، ثم يحولها إلى آلية نفسية داخلية. في حين، إن مصدرها مجتمعي، وليس فرديا أو داخليا. وبهذا، يكون الذكاء نتاج تعلم خارجي مجتمعي وثقافي وتاريخي، وليس نتاج ما هو وراثي أوبيولوجي. وبهذا، يتعلم الطفل بالاسترشاد بشاب بالغ، أو بمدرس كفء يزوده بمختلف الموارد التي تسعفه في التعلم الذاتي، واكتساب المعارف.

وهكذا، يتبين لنا أن البنائية الاجتماعية تجمع بين ما هو بنيوي ومجتمعي، أو تجمع بين الذات والمجتمع في إطار عملية التفاعل المتبادل والرمزي.
تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -