جغرافية المغرب العامة pdf

جغرافية المغرب العامة pdf

الجغرافية الحالية للمغرب هي نتاج تاريخ طبيعي وبشري عريق. فإذا خلف التاريخ المورفولوجي والموقع الجغرافي تضاريس واضحة التباين ومناخا وسطا بين المنطقة المعتدلة في الشمال والمنطقة الحارة في الجنوب فإن التاريخ البشري تصاهرت عبره الأجناس المتواجدة بالمغرب بدء بالعنصر والجنس الأصلي الأمازيغ مرورا بالقبائل العربية التي وفدت من المشرق منذ القرن الأول الهجري وصولا إلى مسلمي الأندلس المهجرين بعد سقوط دولة بني الأحمر في 1492. فشكل سكان المغرب من هذا الخليط العرقي أمة واحدة مازالت تحمل بصمات الحضارات الرومانية والوندالية والبيزنطية والفينيقية والأوربية والإسلامية.

يتوفر المغرب على موقع جيو استراتيجي متميز في الشمال الغربي للقارة الإفريقية حيث يشكل حلقة وصل بين هذه الأخيرة والقارة الأوروبية التي لا تفصله عنها سوى 14 كلم عبر مضيق بوغاز جبل طارق. كما يطل على واجهتين بحريتين الواجهة الأطلسية أكثر امتدادا حوالي 3.000 كلم، والواجهة المتوسطية حوالي 500 كلم، وتؤثر هذه الوضعية والعلاقة المتميزة مع البحر على تنظيم المجال المغربي وعلى بنياته الاقتصادية، فالمغرب بلد منفتح على الخارج، تربطه علاقات وثيقة بأوربا وبباقي دول العالم بفضل موانئه المتعددة، كما أن الإقتصاد المغربي يمتاز بأهمية قطاع الصيد البحري بفضل الثروات السمكية التي تختزنها سواحله، وبأهمية السياحة الشاطئية التي تستقطب الجزء الأكبر من السياح الأجانب والمغاربة، وتعتبر إحدى الركائز الأساسية للنشاط السياحي.
يمتد المغرب على مساحة تقدر ب 710850 كلم مربع بين خطي عرض 210 و 360 شمال خط الاستواء وبين خطي الطول 10 و 170 غرب خط اكرينتش. ولهذا الموقع بالنسبة لخطوط العرض أثر كبير في تحديد طبيعة مناخ البلاد، فالمغرب كما يتضح من موقعه بعيد عن المنطقة القطبية الباردة وعن المنطقة الاستوائية الحارة، ولذلك فمناخه معتدل، وهو في الواقع أقرب للمنطقة المعتدلة الحارة منه إلى المنطقة الباردة، ولذلك فمناخه معتدل ساخن مع وجود تفاوت بين شمال وجنوب البلاد.
ساهمت المؤهلات السابقة في إعطاء المغرب، وضعية جغرافية خاصة وفريدة، إن على مستوى موقعه الجغرافي الاستراتيجي والمتميز والذي يجعل من بلادنا أرضا وشعبا عبارة عن بوتقة حضارية وطبيعية وبشرية أو على مستوى خصائص البيئة والمجال المغربيين بما يتسمان به من تنوع وتباين كبير في المظاهر والخصائص الطبيعية والبشرية من شمال المغرب إلى جنوبه ومن غربه إلى شرقه. وهذا ما حدا ببعض الأجانب إلى وصف المغرب بأنه أرض المفارقات والتباينات، حيث يستفاد من بعض الدراسات والبحوث أن المغرب بلد يطبعه التنوع طبيعيا وبشريا، ولكن كذلك يوصف ببلد التناقضات.
فإذا كان المغرب يعيش وحدة على مستوى الدين واللغة، فإنه يعيش تناقضات على مستوى العديد من العناصر يمكن إجمالها في :
التناقض على المستوى الاجتماعي وهي خاصية تعرفها أغلب البلدان السائرة في طريق النمو، وتسجل فوارق اجتماعية كبيرة من حيث الدخل ومستوى المعيشة، بين فئات ميسورة ومتوسطة وفئات فقيرة أو على عتبة الفقر ، ومستوى التكوين والتعلم، حيث أن نخبة صغيرة العدد تسيطر على قسط وافر من الثروات في البلد، بينما تعاني فئات عريضة من الفقر ومن ظروف عيش رديئة بالإضافة إلى الأمية والبطالة. وتتميز البنية الاجتماعية المغربية يضعف مكانة الطبقات الوسطى التي تلعب عادة دور الوسيط أو حلقة الوصل الإجتماعي بين قطبي المجتمع. ويتضح هذا الفرق الاجتماعي أكثر في المجال الحضري، إلا أنه يمس أيضا المجال القروي.
اما على الصعيد المجالي، فالتراب الوطني ينشطر الى مجانين كبيرين متباينين، بل ومتناقضين من حيث الظروف الطبيعية ومستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي ومستوى الكثافات السكانية والتمدين المجال الأول ينتشر بالأساس في الشمال الغربي في سهول وهضاب المغرب الأطلسي، والمجال الثاني يخص المناطق الجبلية والمناطق الداخلية الجافة وشبه الجافة.
التناقض على مستوى الوسط الطبيعي، فبين القمم الثلجية العالية للسلسلة الأطلسية و التي تتجاوز غالبا (3500م) والامتدادات الواسعة للسهول والهضاب أو الأحواض التي تسود على السطح وبين المنظومات البيئية الجافة والصحراوية حيث الإنتاجية البيولوجية محدودة، وبين تلك التي تزخر بغابات متنوعة تظهر اختلافات جذرية يمتاز المغرب بتنوع تضاريسه الشديد وبالفوارق التي تطبع انتظامها فالجبل الشاهق يحاذي السهل المنخفض، كما تشرف الهضاب على السهول، وتتخلل هذه الأخيرة إلى جانب الأحواض المناطق العالية.
التناقض على مستوى المناخ الذي يتأثر بموقع السلاسل الجبلية المغربية والتي تشكل حاجزا يحول دون مرور التيارات الهوائية الرطبة في اتجاه المنطقة الشرقية وكذلك الجنوبية. وهو ما يجعلنا أمام أجواء ومناخ مختلف بين مناطق المغرب حيث في الوقت الذي يكون فيه الجو باردا وممطرا في بعض المدن بشمال المغرب يكون الجو دافئا وحارا في مدن أخرى بالجنوب..
 وبالإضافة إلى المشاكل المترتبة عن هذه التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، يواجه المغرب في بداية هذا القرن تحديات جديدة ترتبط بالخراطة المتزايد في الاقتصاد الدولي وبظاهرة العولمة وما تفرضه من منافسة شديدة بالنسبة لكل الانشطة سواء كانت موجهة للسوق الخارجية أو للسوق الداخلية، وللتذكير فالمغرب مرتبط باتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوربي وباتفاقيات التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا ومصر والاردن .... الخ. هذه الظرفية الجديدة تحتم إعادة تأهيل الاقتصاد الوطني برمته، والرفع من مستواه حتى يكون قادرا على مواجهة هذه المنافسة الشرسة والمتصاعدة.
وإذا كان لهذا التنوع والتباين في البيئة الجغرافية المغربية جوانب إيجابية كثيرة، نظرا لما توفره من موارد طبيعية ومؤهلات بشرية غنية ومتنوعة يمكن استثمارها وتثمينها في مجهود التنمية، فإن لذلك أيضا مجموعة من الصعوبات والإكراهات والتي تشكل تحديات كبرى يجب معالجتها في وجه تنمية البلاد واستثمارها.
ولعل هذا هو الدافع الرئيسي الذي حدى بالمسؤولين عن الشأن العام في العقد الأخير إلى القيام بتشخيص دقيق ومعمق لواقع الحال في المجال المغربي، وإبراز الإمكانات والإرغامات التي يتضمنها، واستثمار حصيلة ذلك من أجل بناء مشروع مندمج للتنمية المجالية في البلاد بينيا، واقتصاديا واجتماعيا، بل وحتى سياسيا (اللامركزية، الديمقراطية المحلية والجهوية المتقدمة.
اعتبارا لكل ما سبق، فإن هذه الوحدة جغرافية المغرب العامة) تهدف إلى تحقيق ما يلي:
رصد الخصائص العامة لجغرافية المغرب الطبيعية والبشرية الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية)، وذلك من أجل تقييم الإمكانات الطبيعية والموارد البشرية الضرورية لإحداث التنمية الشاملة للبلاد.
تحليل الإكراهات الطبيعية والبشرية التي يتميز بها المجال المغربي، والتي تشكل تحديات كبرى أمام جهود التنمية والتهيئة المجالية للبلاد.
تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -